ابراهيم بن عمر البقاعي

253

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

الإطلاق بكمال القدرة ونفوذ المشيئة ، فهو لا يحب الباغي ولا يقره على بغيه ، وقدرته عليكم أعظم من قدرتكم عليهن ، وهو مع ذلك يعفو عمن عصاه وإن ملأ الأرض خطايا - إذا أطاعه ، ولا يؤاخذه بشيء مما فرط في حقه ، بل يبدل سيئاته حسنات ، فلو أخذكم بذنوبكم أهلككم ؛ فتخلقوا بما قدرتم عليه من صفاته لتنالوا جليل هباته ، وخافوا سطواته ، واحذروا عقوبته ، بما له من العلو والكبر . ولما بين حال الوفاق وما خالطه من شيء من الأخلاق التي يقوم بإصلاحها الزوج ، أتبعه حال المباينة والشقاق المحوج إلى من ينصف أحدهما من الآخر فقال : وَإِنْ خِفْتُمْ أي أيها المتقون القادرون على الإصلاح من الولاة وغيرهم شِقاقَ بَيْنِهِما أي الزوجين المفهومين من السياق ، يكون كل واحد منهما في شق غير الشق الذي فيه الآخر ، ولا يكون ذلك إلا وأحدهما على باطل ، وأضاف الشقاق إلى البين ليفيد أن هذا العمل إنما يكون عند الخوف من شقاق خاص ، وهو أن يكون البين المضاف إليهما - وهو الذي يميز كل واحد منهما من الآخر - لا تمكن في العادة إزالته ليكونا شيئا واحدا كما كانا لا بين لهما ، وذلك بظن أنه لا صلاح في اجتماعهما فَابْعَثُوا أي إليهما للإصلاح بينهما بإنصاف المظلوم من الظالم حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ أي الزوج وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها أي الزوجة ، هذا أكمل لأن أهلهما أقرب إلى إزالة أسباب الشقاق من بينهما ، لأنهم أجدر بالاطلاع على بواطن أمورهما وعلى حقائق أحوالهما ، والزوجان أقرب إلى اطلاعهما إن كانا قريبين على ضمائرهما ، وأقرب إلى إخفاء ذلك عن الأجانب ؛ وفائدة الحكمين أن يخلو كل منهما بصاحبه ويستكشف حقيقة الحال ليعرف وجه الصلاح . ثم أجاب من كأنه قال : وماذا عسى أن يضيفا ؟ بقوله : إِنْ يُرِيدا أي الحكمان إِصْلاحاً أي بينهما ، وكأنه نكره لأن الإخلاص ووجود الكمال قليل يُوَفِّقِ اللَّهُ الذي له الإحاطة بعلم الغيب والشهادة بَيْنِهِما أي الزوجين لأن صلاح النية أكبر معين على بلوغ المقاصد ، وهذا دال على أنه لا يكون شيء إلا باللّه ، وأن الأسباب إنما هي محنة من اللّه ، يسعد بها من يباشرها ويعتمد على اللّه دونها ، ويشقى بها من يجعلها محط قصده ، فيعتمد عليها . ولما كان المصلح قد يظن مفسدا لصدعه بمر الحق من غير مداراة ، والمفسد قد يعد مصلحا لما يرى منه من المداهنة والمراءاة والمكر ، فيظن من يخلف الوعد بالتوفيق غير ما في نفس الأمر ؛ قال تعالى مزيلا لهذا الوهم مرغبا ومرهبا : إِنَّ اللَّهَ أي المحيط بجميع صفات الكمال كانَ عَلِيماً أي مطلقا على ما يمكن الاطلاع عليه وإن